آخر الأخبار

المدن المحورية: داود أوغلو يقدم قراءة في خرائط النهوض والسقوط الحضاري

شارك

في سياق تحول الدراسات الحضارية من مقاربات تقليدية أحادية المركز إلى مناهج تولي أهمية لتعدد الخصائص والتشابك بين الفضاءات، يقدم المفكر والسياسي التركي أحمد داود أوغلو كتابه "المدن المحورية في نهوض الحضارات وسقوطها".

يبرز هذا الكتاب الذي ترجمه الدكتور أحمد سالم سالم، والصادر في سبتمبر/أيلول 2025 عن مركز نهوض للدراسات والبحوث، بوصفه إسهاما منهجيًّا يحاول أن يعيد قراءة المدينة بوصفها وحدة تاريخية فاعلة، لا مجرد خليط من منشآت ومؤسسات.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 حصاد 2025.. أجمل الروايات والكتب التي بقيت راسخة في ذاكرة المبدعين العرب
* list 2 of 2 سعاد الصباح لـ"الجزيرة نت": أنا صوت مَن لا صوت لهم والخسارة منحتني البصيرة end of list

يبدأ المؤلف من فرضية بسيطة في ظاهرها لكنها عميقة في مدلولها، وهي أن المدينة ليست نتاجًا ثابتًا لقوة واحدة، ولا هي مسرح جامد للأحداث، بل هي شبكة ديناميكية من العلاقات الثقافية والسياسية والاقتصادية التي تُشكّلها وتُعيد تشكيلها خلال الزمن.

وانطلاقًا من هذه الأرضية المفاهيمية، يتوخى الكتاب رسم خرائط تحليلية للمدن الكبرى من خلال منصات زمنية ومكانية متباينة، مع ترجمة هذه الخرائط إلى فئات تشخيصية قابلة للتطبيق المقارن، تسهل فهم أسباب النهضة والسقوط والتحول الحضاري بوصفها عمليات متشابكة لا أحادية السببية.

7 أنماط للمدن

ينطلق المؤلف من نقد صريح للمقاربة المركزية الأوروبية التي طبعت مناهج التاريخ والجغرافيا السياسية في القرنين الماضيين، ويعرض بدلًا منها إطارا تأويليًّا يقوم على التعددية الثقافية والتفاعل الحضاري.

هذا الإطار لا يكتفي بتسجيل الأحكام المضادة للهيمنة الفكرية فحسب، بل يهدف إلى بناء أداة مفاهيمية تمكن من قراءة سبعة أنماط للمدن: من المدن الرائدة المؤسسة للحضارات إلى مدن الخطوط التفاعلية، والمدن "الهجينة" التي تتشكل هويتها من خلال احتكاك حضارات متعددة.

وبذلك لا يعود الكتاب وصفا تاريخيًّا أو جغرافيًّا محضا، بل مشروعا تحليليًّا يربط بين البنية التاريخية والوظيفة الحضارية والفاعلية العالمية للمدينة.

إعلان

وفي ظل تصاعد الاهتمام بدور المدن وفاعليتها في مسارات الحضارة والتاريخ السياسي، يقدم هذا الكتاب قراءة مكثفة ومقارنة لمدن في العالم من حيث إنها محركات أو مرآة للتحولات الكبرى.

تتجاوز الصيغة التي اختارها المؤلف السرد الجغرافي أو القائم على فهرسة المواقع؛ فهي قراءة تسعى إلى رصد الآليات التي تجعل من بعض المدن محورًا لتوليد أنماط جديدة من السلطة والاقتصاد والثقافة، ومن أخرى مواقع تلاش وانحسار حتى تصل إلى اختفاء أدوارها التاريخية.

ومن هذه الزاوية، فإن الكتاب لا يقدم مجرد وصف تاريخي، بل نموذجا فكريًّا لقراءة التاريخ الحضاري بوصفه شبكة علاقات وتفاعلات متبادلة، لا سلاسل سببية أحادية.

مصدر الصورة روما من المدن المحورية المؤسسة للحضارة (مواقع التواصل الاجتماعي)

رفض المقاربة المركزية الأوروبية

من الثوابت النقدية التي ترافق هذا العمل رفضه للمقاربة المركزية الأوروبية التي سيطرت على علوم التاريخ والاجتماع والجغرافيا في أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين المبكر.

لا يكتفي المؤلف بنقد هذه المقاربة نظريًّا، بل يبين كيف أدت إلى إقصاء تجارب حضارية كاملة إلى هامش الرؤية العلمية؛ مما أدى إلى اختزال التاريخ الإنساني في سرد أحادي المبدأ يسوِّغ تصورا تفوقيًّا متخلفا عن سياقاته المكانية والزمنية.

ومن هنا ينبثق منهج الكتاب: تأويل المدن في ضوء تعدد المؤثرات الثقافية والجيوسياسية والاقتصادية، والبحث عن أنساق تفسر كيف تتداخل العوامل المحلية مع التحولات العابرة للحدود لتنتج أنماطًا حضارية متغايرة.

المدن بوصفها محركات تفاعلية

يقف الكتاب على مفارقة مركزية هي أن المدن ليست دائما نتاج حضارة واحدة ثابتة، ولا هي بالضرورة خادمة لمرتكز قبلي أو قومي محض.

بدلًا من ذلك، يعالجها المؤلف بوصفها مراكز تلاق وانتقال وتوليف؛ فالمدينة يمكن أن تكون منبع إبداع حضاري يبني نمط حياة جديدا، وفي الوقت ذاته قد تتحول إلى محور استنزاف عندما تتعرض لتبدلات سياسية عنيفة أو لعمليات إعادة توزيع جيواقتصادية.

لذلك، يتحول تعريف المدينة هنا إلى تعريف وظيفي: ما الذي جعلها رائدة؟ ما الذي أبقاها على هامش التاريخ؟ وما العوامل التي أدت إلى إفناء دورها؟ هذه الأسئلة تؤسس لقراءة ديناميكية للتاريخ الحضري.

مصدر الصورة صورة تاريخية لمدينة إسطنبول (مواقع التواصل الاجتماعي)

إطار تحليلي منظم

يقدم المؤلف تصنيفًا مفيدًا ومنظمًا لقراءة تنوع الأدوار الحضارية، ويُعد هذا التقسيم أحد المداخل المنهجية المهمة في الكتاب، ويمكن اختصاره وتوضيحه كالتالي:


* المدن الرائدة التي أرست حضارات: وهي تلك المدن التي كان لها دور البذرة الأولى لتكوين أنماط اجتماعية وسياسية واقتصادية شكّلت -فيما بعد- إطارًا حضاريًّا يستمر نفوذه.
* المدن المؤسسة بواسطة حضارات: أي المدن التي نشأت أو توسعت بوصفها نتاجًا لحضارة قائمة فأسهمت في استقرارها أو انتشارها.
* المدن التي اغترست أثناء تشكل الحضارات: مدن لم تكن البداية، ولكنها كانت مواقع حاسمة أثناء عملية التكوين الحضاري، بمثابة مراكز تقنية أو عقائدية.
* مدن الأشباح: مواقع فقدت زخمها وأهميتها نتيجة تبدلات في السلطة، أو المسارات التجارية، أو عوامل بيئية؛ فأصبحت شاهدة على طمر دورها التاريخي.
* المدن المفقودة: تلك التي أبادتها حروب أو غزوات أو عوامل إنسانية أخرى إلى حد أن آثارها اختفت أو تشتتت.
* مدن خطوط التفاعل الجيواقتصادي/ الجيوثقافي: مواقع تقع على مفترق طرق تبادل الثروات والمعرفة، فتتحول إلى محاور اتصال بين مناطق بعيدة.
* المدن الهجينة أو المتحولة: مدن تتوهج بأشكال جديدة نتيجة احتكاك حضارات متعددة، فتندمج عناصر فيها أو تنقلب هوياتها، أو تشهد تمايزًا واضحًا بفعل تأثيرات خارجية وداخلية.
إعلان

كل فئة من هذه الفئات لا تعرض بجمود، بل تقترح أنماطا تفسيرية يمكن تطبيقها تشخيصيًّا على تجارب حضرية متعددة. هذا الإطار يتيح للقارئ إبراز التشابهات والاختلافات مع تجارب محلية، ويفتح الباب أمام قراءة مقارنة بين مدن متباينة زمنيًّا ومكانيًّا.

ولا يقتصر عمل المؤلف على مناقشات نظرية فحسب؛ بل ينسج العمل بإحكام مع انطباعاته الشخصية المباشرة من زياراته للمدن المعنية.

وهذا البعد الميداني يمنح الكتاب خصوصية؛ فالملاحظة المباشرة تضيف بعدًا وصفيًّا وواقعيًّا يمكن أن يثري التحليل النظري.

يوثق المؤلف تجاربه البصرية والسمعية واللغوية، لكنه لا يسمح لانطباعاته بأن تحل محل منهجه التحليلي، بل يستخدمها أدلة إيضاحية تكسر جمود الاستنتاجات الافتراضية.

قواعد للصعود أو السقوط

من الناحية العلمية، تبرز أهمية الكتاب لأنه يجمع بين منهج تاريخي واسع الأفق ومنهج مقارن يُمكِّن من تحليل التحولات عبر مساحات زمنية وجغرافية مختلفة. فاعتماد المقارنة أداة مركزية ليس هدفه المقارنة الأحادية بل الكشف عن قواعد وأشكال تؤدي إلى صعود أو سقوط مراكز حضرية.

كما يقدم نقاشات منهجية حول صعوبات توثيق التاريخ الحضري: مشكلة المصادر التاريخية، وتحول مسميات المدن، وتغير شبكات الاتصال، وتأثير قوى خارجية في بنى محلية.

وهذه الملاحظات المنهجية من شأنها أن تنفع الباحثين الذين يعكفون على دراسة التاريخ الحضري أو التحولات الجيوسياسية في سياقات متعددة.

التراث الإسلامي والحديث العالمي

يقدم الكتاب رؤية متوازنة فيما يتعلق بدور الحضارة الإسلامية؛ فيبين المؤلف كيف حظيت مدن في نطاق الحضارة الإسلامية بأدوار فريدة في شبكة التبادل بين الشرق والغرب، وكيف أثرت موجات الغزو والتبادل التجاري والفقهي في تشكيل خرائط حضرية جديدة.

وفي مواجهة الحداثة الغربية والعولمة المعاصرة، يطرح الكتاب فرضيات عن كيفية تفاعل الحضارات القديمة مع أدوات الاتصال والاقتصاد الجديدة لتعيد إنتاج مقاييسها وتأثيرها في العالم المعاصر.

يحمل الكتاب قيمة خاصة للقارئ العربي؛ فهو يعيد إدراج المدن العربية والإسلامية في دائرة قراءة تاريخية عالمية متوازنة غير متعالية، ويعرض أدوات منهجية يمكن أن تساعد الباحثين العرب على حل عقد بحثية تتصل بتاريخ المدن المحلية والعثمانية والاندماج العالمي، كما أنه يزود المشتغلين بالسياسة والثقافة برؤى تساعد في فهم كيفية عمل المدن بوصفها مراكز قوة ونفوذ وأثرًا ثقافيًّا.

مصدر الصورة المدينة المنورة: نموذج لمدن الحضارة الإسلامية (الجزيرة)

يقدّم هذا الكتاب نموذجًا متماسكًا لقراءة المدن وإدراك مركزيتها في عمليات التشكل الحضاري والتبدل السياسي. والقيمة الرئيسية للعمل تكمن في مزجه بين حسّ تاريخي ميداني ومنهج مقارن يتيح للباحث أن يقيس الفوارق والاشتراكات بين تجارب حضرية متباينة؛ كما تكمن في قدرته على إخراج النقاش من أسر السرد الأحادي إلى فضاء تحليلي متعدد الأبعاد.

وفيما يخص الميدان، يفتح الكتاب آفاقًا منهجية مهمة لإعادة إدماج المدن المحلية والإقليمية داخل سرد حضاري عالمي أكثر عدلًا ودقة، ويقدم أدوات مفهومية قابلة للتطبيق في الدراسات التاريخية والسياسية والثقافية.

وفي ضوء ذلك، تكون قراءة هذا العمل ضرورة بحثية لمن يرغب في فهم كيفية اشتغال المدن على صناعة التاريخ وإعادة تشكيله عبر الأزمنة والأمكنة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار