في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في ستينيات القرن التاسع عشر، جذب شعاع قطعة ألماس في جنوب أفريقيا ، مجموعة من الباحثين البريطانيين عن الثروة، لتبدأ حينها عمليات نهب لثروات الدول الأفريقية تحت غطاء الاستعمار التي تواصلت إلى يوم الناس هذا.
وترقد في بطون أراضي القارة الأفريقية معادن ثمينة ونادرة، حيث تنتج أفريقيا وحدها ما يقارب 35 مليون قيراطا من الألماس ومثله تقريبا من الزمرد وما يقارب 150 طنا من الياقوت والزفير الخام وما يقارب ألف طن من الذهب، بقيمة إجمالية تصل إلى 60 مليار دولار سنويا، وتستحوذ دول أفريقية، من ضمنها جنوب أفريقيا والكونغو الديمقراطية على ربع الإنتاج العالمي تقريبا من الألماس.
يمكن لمخزون أفريقيا من الأحجار الكريمة التي يتم استخراجها بكميات وفيرة أن ينهي الفقر والمجاعات والحروب العرقية بشرط واحد، وهو أن تخلو هذه المعادلة من وجود ثالوث الاستعمار والشركات الغربية والتحالفات مع المليشيات والمتمردين، حتى يبقى في الأخير، بعض من الكنز المخلوط بالدم لأصحاب الأرض.
كان تاريخ القارة الأفريقية منذ أن وطِئتها أقدام الرجل الأوروبي خلال القرون الوسطى، حافلا بصفحات سوداء. ومن الغريب أنه كلّما تقدم العالم نحو التمدّن، كانت دول من القارة الأفريقية ميدانا لأقسى سيناريوهات التوحّش التي مارسها المستعمر على السكان الأصليين، وقد دُوّنت فصول بعض تلك السيناريوهات في مؤلفات تاريخية أشبه بأفلام الرعب مثل المجازر التي قام بها الملك البلجيكي السفاح ليوبولد الثاني في الكونغو أو الإمبراطور الألماني فيلهلم الثاني في ناميبيا .
في أوج التنافس المحموم بين الإمبراطوريات الاستعمارية، لم يكن من الغريب أن تتحوّل عطايا الطبيعة على رقعة كبيرة من أفريقيا إلى لعنة، فكان الأمر شبيها إلى حدّ كبير بإحدى قصص الميثولوجيا الإغريقية المعروفة بصندوق باندورا.
في تلك الأسطورة، تفتح امرأة تدعى باندورا صندوقا تسلمته من كبير الآلهة زيوس، رغم أنه أمرها بعدم فتحه، لكنها خالفت أمره فخرجت منه كل شرور العالم، وحين أغلقته خرج منه ضوء ساطع.
هي قصة ملهمة عن الطمع والشر، وتستحضر إلى حد بعيد قصة اكتشاف الألماس في جنوب أفريقيا التي أصبحت من أكبر منتجي الألماس في العالم، حيث جذب بريق قطعة من الألماس بيدي طفلة اكتشفتها عن طريق صدفة غريبة، تجارا بريطانيين، فحزموا حقائبهم من بريطانيا في اتجاه آخر نقطة في قارة أفريقيا، ومع كل بريق قطعة ألماس اكتشفت في تلك الأرض، لاح ضوء ينذر بتوسّع الشر تماما كصندوق باندورا.
تذكر دراسة لبرام يانسي بعنوان "تاريخ مصادر الألماس في أفريقيا" القصة الغريبة التي جذبت تجار الأحجار الثمينة من بريطانيا نحو جنوب أفريقيا، وتقول "في أكثر من 100 عام، أنتجت أفريقيا كميات كبيرة من الألماس والأحجار الكريمة المهمة.
هناك روايات مختلفة حول اكتشاف الألماس، حيث ذُكر الموقع الفعلي للاكتشاف لأول مرة في صحيفة كالسبيرج أدفرتايزر بتاريخ 16 يوليو/تموز من عام 1867، وكان ذلك الموقع هو مزرعة تُدعى دي كالز. وذكرت تلك المقالة أن السيد هوند وشريكه البلجيكي الذي يُدعى مونسكانا يُنقِّبان هناك، وقد عثرا على المزيد من الألماس.
لكن تشير دورية لندن جورنال أوف ذا سوسايتي أوف آرتس إضافة إلى مذكرة مؤرخة بـ23 يونيو/حزيران 1868، إلى أن من عثرت على الألماس أول مرة كانت فتاة صغيرة، ابنة مزارع فقير يُدعى دانيال جاكوبس، كان يعيش في مزرعة دي كالز، ولفت اكتشاف الفتاة انتباه أحد الجيران.
ووصل الخبر إلى لندن وأخذت الماسة من الفتاة وفحصها مختص في الأحجار الكريمة أكد على الفور أنها ألماسة من 21 قيراطا قيمتها خمسمئة جنيه إسترليني، وقام ذلك المختص بإرسال الألماسة إلى وزير المستعمرات في كيب تاون".
تذكر الدراسة ذاتها أن صانع مجوهرات لندني مشهور يدعى هاري إيمانويل أرسل جيمس غريغوري العالم المتخصص في المعادن، إلى جنوب أفريقيا عام 1868 للتحقق من إمكانية استكشاف أماكن للألماس.
على مدى قرن تقريبا، أي بين عامي 1889 و1959، سيطرت القارة الأفريقية، خاصة جنوب أفريقيا، على إنتاج الألماس، بما يفوق 80 % من الإنتاج العالمي، ولكن المتأمّل في تلك الفترة يعلم جيدا أنه طوال ذلك القرن، حققت الإمبراطوريات الاستعمارية ازدهارا كبيرا على حساب الشعوب الأصلية للبلدان الأفريقية.
كانت بداية سبعينيات القرن التاسع عشر مرحلة استكشاف محمومة للألماس في جنوب أفريقيا، قادتها مجموعات من التجار قبل أن تتشكّل شركات وتنزل بكل ثقلها في تلك الأرض.
قبل ذلك بقليل، شد العالم البريطاني المتخصص في المعادن جيمس غريغوري الرحال إلى هناك عام 1868، وتوجه إلى مستعمرة كيب، وبدأ التنقيب الأولي قبل أن يصرف النظر عن مواصلة الاستكشاف بسبب المناخ الحار وظروف العيش هناك.
تقول دراسة "تاريخ مصادر الألماس في أفريقيا": "غادر معظم العمال إلى نهر فال في شهر يناير/كانون الثاني 1870. كان الصيف في ذروته ونفد لديهم الماء، وقد سمعوا بنجاح مجموعة رولستون في العثور على ألماس في منطقة بينيل.
في منتصف يوليو/تموز 1871، عُثر على ألماس عند سفح تل منخفض يسمى كوليسبرغ مكوّن من صخور كلسية، وأصبح ذلك التل لاحقا منجم كيمبرلي. ثمّ أُعلن عن التل موقعا عاما للحفر في 21 يوليو 1871".
ينسب اكتشاف الألماس في كيمبرلي إلى البريطاني فليتوود راوستورن، الذي قاد فريقا في بداية ذروة التنقيب عن الألماس في كيمبرلي وتحديدا، في تلة كوليسبرغ.
لكن يبدو أن فريق راوستورن زيّف حقيقة صاحب الاكتشاف الأول وذلك من أجل الحصول على أحقية التنقيب، حيث تنسب الرواية التاريخية اكتشاف الألماس في التلة المذكورة إلى خادم أفريقي يُدعى دامون كان يعمل لدى فليتوود راوستورن، لكن سارع البريطاني صحبة فريقه إلى تسجيل الاكتشاف باسمهم وقدموا طلبا رسميا للاستكشاف وزعموا أنهم أول من اكتشف الألماس في التلة التي ستصبح من أكبر مناجم الألماس في جنوب أفريقيا.
أصبحت مجموعة راوستورن حلقة واصلة في الانتقال من التنقيب الفردي إلى الاستثمار المنظم قبل أن تلتحق شركات عملاقة مثل شركة دي بيرز (De Beers) بحمى التنقيب عن الألماس.
تقول دراسة "تاريخ مصادر الألماس في أفريقيا": "بحلول عام 1883، كانت جميع أعمال الحفر في منجم كيمبرلي خاضعة لسيطرة بضع الشركات، أهمها شركة كيمبرلي المركزية للألماس، التي تسيطر عليها عائلة بارناتو البريطانية، والشركة الفرنسية التي كانت تديرها عائلة روتشيلد في باريس ".
في عام 1919، إبان الحرب العالمية الأولى أُعيد تنظيم شركة دي بيرز ثم قامت بشراء ممتلكات الشركات الألمانية التي كانت تنشط هناك، لتبسط نفوذها منذ ذلك التاريخ إلى حد الآن على تجارة الألماس.
في الوقت الذي نجح فيه فريق راوستورن في تزييف الحقيقة من أجل الحصول على أحقية التنقيب عن الألماس، لا يزال التاج الملكي البريطاني شاهدا على فترة نهبت فيها بريطانيا مناجم الألماس في جنوب أفريقيا، ففي كل مرة أطلت فيها ملكة بريطانيا واضعة بكل فخر تاجها الملكي وحاملة الصولجان الإمبراطوري، تضيء أشهر ماسة في التاريخ وهي الماسة المعروفة باسم "نجمة أفريقيا" لتذكّر بماض استعماري حالك وبأنها شاهدة على عقود كاملة من النهب.
ففي عام 1905، اكتشفت ماسة "نجمة أفريقيا" الضخمة في منجم كولينان بجنوب أفريقيا، قبل أن تصبح ضمن ممتلكات التاج البريطاني حيث قسمت إلى قطع متفاوتة الحجم، زيّن بعضها التاج الملكي والصولجان، ورصّعت قطع أخرى مجموعة مجوهرات الملكة ماري ومن أعقبها من العائلة الملكية البريطانية.
في الواقع، لم تكن جنوب أفريقيا الدولة الوحيدة التي نهب الغرب أحجارها الكريمة زمن الاستعمار وبعده، إذ تذكر دراسة لمركز الجزيرة للدراسات بعنوان "المعادن الأفريقية في التنافس الدولي.. الرهانات والمآلات" أن ناميبيا عاشت أيضا تجربة نهب مماثلة لجنوب أفريقيا خلال فترة طويلة بدأت منذ نهاية القرن التاسع عشر.
ففي يناير/كانون الثاني سنة 1894، اكتشفت ألمانيا رواسب ضخمة من الألماس في ناميبيا، ومن أجل حماية حقها في سرقة ثروة تلك الدولة من منافستيها فرنسا وبريطانيا، أعلن إمبراطورها فيلهلم الثاني أن ناميبيا أصبحت مستعمرة لألمانيا، وتبع ذلك الإعلان أول عملية إبادة في القرن العشرين، حيث "طُهّرت" الأرض من سكانها الأصليين.
تقول دراسة "المعادن الأفريقية في التنافس الدولي.. الرهانات والمآلات" إنه "في 2 أكتوبر/تشرين الأول 1904، أصدر جنرال القوات الألمانية لوثر فون تروثا حُكم الإعدام ضد شعب هيريرو، وجاء في فحواه: إن هيريرو ما عادوا من رعايا الألمان، وعليه يتعين عليهم الخيار بين المغادرة أو الموت حال عدم الانصياع. ومن يُعثر عليه داخل الحدود الناميبية، مسلحا كان أو أعزلَ، سيتعرض للإعدام، فضلا عن أن مصير النساء والأطفال سيكون التهجير أو الإعدام حال عدم الإذعان.
ليعلم الهيريرو أن الإمبراطورية لن تحتفظ بأسرى من الذكور، بل ستقدم على إعدامهم. هذا هو قراري الذي اتخذته بخصوص شعب هيريرو". لم ينصع شعب هيريرو لذلك القرار، فأُبيد قرابة 90 % منهم بين عامي 1904 و1908.
بحلول عام 1908، تتالت اكتشافات ألمانيا للألماس في ناميبيا وبدأت شركات من ألمانيا نشاطها المكثف هناك لاستغلال مناجم الألماس المكتشف مثل شركة "لانز أند كو"، ومهّدت الجمعية الاستعمارية الألمانية لجنوب غرب أفريقيا، التي وضعت بيدها إدارة اقتصاد المستعمرة، الطريق للشركات الألمانية من أجل القيام باستكشاف واستغلال مناجم الألماس، ووفرت لها الدعم السياسي واللوجستي الكامل للقيام بعملها هناك، خاصة بعد أن فرضت ألمانيا حظرا على المناطق التي اكتشف فيها الألماس حيث مُنع السكان الأصليون من دخولها أو الاقتراب منها.
دخلت القوى الاستعمارية في سباق محموم للسيطرة على أكثر عدد ممكن من مناجم المعادن الثمينة والأحجار الكريمة. وبحلول القرن العشرين، شقت آلات الحفر بطون كثير من أرض أفريقيا، وكان لبريطانيا وألمانيا نصيب من الثروات الباطنية بقدر ما لفرنسا أيضا التي وضعت يدها على ثروات دول أفريقية أخرى، حيث قادت الشركة الوطنية الفرنسية للمناجم عمليات استغلال المناجم في مالي والسنغال والسودان وأفريقيا الوسطى.
بين عامي 1870 و1900 أصبحت أفريقيا كلها تقريبا تحت سيطرة قوى استعمارية أوروبية اقتسمت القارة بموجب اتفاقية برلين سنة 1885، ولم تسع حينها الدول الاستعمارية طوال عقود إلى تطوير مستعمراتها بقدر دخولها في نسق استغلال محموم لثرواتها الطبيعية.
بحلول النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، نجحت كل الدول الأفريقية في نيل استقلالها، وفي المقابل، لم تكن الشركات المنجمية الأوروبية مستعدة للتفريط في امتيازاتها وتشبّثت بنشاطها في تلك الدول حتى بعد نيلها الاستقلال وواصلت عملياتها الاستخراجية في مناجم المعادن الثمينة والأحجار الكريمة بكل الطرق المتاحة لها.
كان إرث عقود من الاستعمار ثقيلا على عدد كبير من دول أفريقيا جنوب الصحراء، ورغم الثروات التي ترقد في بطون أراضيها، يفتك الفقر بأغلب دول القارة. ومن المفارقات مثلا أن جمهورية الكونغو الديمقراطية التي اكتشفت فيها شركة التعدين البلجيكية "فور مينيير" الألماس عام 1912، هي ثالث أكبر منتج للألماس الخام في العالم، لكن في المقابل يعيش سكان مدينة تشيكايا التابعة لها التي تعرف بمركز الألماس، فقرا حادا.
يقول تقرير بعنوان "طفولة ضائعة: تعدين الألماس في جمهورية الكونغو الديمقراطية ونقاط ضعف عملية كيمبرلي" للباحثة تيريز سيوستروم: "وجدت دراسة استقصائية أجراها صندوق التنمية الأفريقي عام 2014 أن 82 % من الأسر في المناطق المحيطة بتشيكابا تعيش في منازل مبنية من جدران طينية وأرضيات ترابية وأسقف من القش. كما بيّنت الدراسة أن معظم الأسر الريفية تفتقر إلى الكهرباء ومياه الشرب، وتعتمد بشكل رئيسي على مصادر مياه بدائية. وأن ما يقرب من 30 % من الأسر تفتقر إلى المراحيض".
لم تكتف الشركات الغربية باحتكار استغلال مناجم الأحجار الكريمة والمعادن في أفريقيا، بل تثبت تقارير أممية أن عددا من الشركات، من ضمنها شركات عملاقة، تقوم بعمليات استغلال غير مشروع للموارد الطبيعية في الكونغو. ففي 21 أكتوبر/تشرين الأول من عام 2002، أصدرت لجنة تابعة للأمم المتحدة تقريرا جاء فيه أن شركات منجمية بلجيكية ارتبطت بمنظمات تقوم بتهريب الألماس من الكونغو، وذكر التقرير شركات مثل "آسا ديام" و"سييرا جيم دايموندز" وإيكوجيم".
لم تكن الشركات البلجيكية المذكورة وحدها المتورّطة في استغلال غير مشروع لموارد طبيعية في الكونغو، فقد جاء في التقرير أيضا أن شركتين بريطانيتين هما "أنغلو أميريكان" و"دي بييرز" تورطتا في استغلال غير أخلاقي لموارد جمهورية الكونغو الديمقراطية، وأوصى التقرير بفرض قيود مالية على تلك الشركات.
في الرابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول سنة 2002 صرّح محمود قاسم رئيس لجنة خبراء الأمم المتحدة المعنية بالاستغلال غير المشروع للموارد الطبيعية وغيرها من الثروات في جمهورية الكونغو الديمقراطية بأن "سيطرة شبكات نخبوية على اقتصاد جمهورية الكونغو الديمقراطية تتجاوز الموارد الطبيعية الثمينة بكثير لتشمل الأراضي والإيرادات المالية والتجارة بشكل عام، وأن هذه الشبكات تتعاون مع جماعات للجريمة المنظمة، بعضها منظمات عابرة للحدود الوطنية، لتحقيق أقصى قدر من الأرباح، حيث تستخدم الجماعات الإجرامية في عمليات عسكرية سرية وغسيل الأموال والمعاملات غير القانونية وتستنزف هذه الأنشطة إيرادات خزينة جمهورية الكونغو الديمقراطية على المستويين الوطني والمحلي، وتُحرم السكان من الخدمات الأساسية".
عاش الشطر الجنوبي من القارة الأفريقية خلال فترة تسعينيات القرن الماضي عقدا دمويا، وحصدت الصراعات العرقية آلاف الأرواح. ووسط سواقي الدماء، سلكت شركات غربية وتجار أوروبيون كل الطرق التي يمكن أن تؤدي إلى مناجم الأحجار الكريمة والمعادن الثمينة، بما في ذلك عقد تحالفات سرية مع أطراف الصراع المسيطرة على البلاد من أجل تأمين أنشطتها الاستخراجية.
وبحلول القرن الحادي والعشرين، كشف تقرير الأمم المتحدة عن جزء من تلك التحالفات ونشر قائمة عريضة بالشركات والأشخاص المتورطين في استغلال غير مشروع للثروات الطبيعية في الكونغو الديمقراطية خلال الصراع الداخلي الدامي، وكان جورج فورست من أبرز من تلك الأسماء، وهو بلجيكي ربط علاقات مع شركة حكومية في الكونغو وأسس شركة متخصصة في تصنيع وتسويق المعدات العسكرية.
يقول تقرير الأمم المتحدة الصادر عام 2002 "في بداية الألفينيات، بنى فورست شبكة علاقات واسعة في مجال التعدين في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما استفاد من دعم قوي من بعض الأوساط السياسية في بلجيكا حيث توجد بعض شركاته. وقد تعرضت أنشطته لانتقادات شديدة، حيث أشارت إحدى البرقيات الدبلوماسية البلجيكية إلى أن السيد فورست يدير إستراتيجية استنزاف في قطاع التعدين في جمهورية الكونغو الديمقراطية وخضع مؤخرا لتحقيق مجلس الشيوخ البلجيكي في استغلال الموارد في جمهورية الكونغو الديمقراطية".
عمال منجم ألماس في جنوب الكونغو (غيتي)يذكر تقرير الأمم المتحدة أيضا تورط شركة "أوريكس" المتعددة الجنسيات في ربط علاقة وطيدة مع شركة "أفينت إير" وهي شركة عسكرية شاركت في عمليات قصف شرق الكونغو الديمقراطية بين عامي 1999 و2001، وترتبط أوريكس أيضا بشركة أباديام البلجيكية المتخصصة في التعدين إضافة إلى شركة "أسا ديام" المتخصصة في تجارة الألماس، وهي شركات أدرجت وسط قائمة من المتهمين بالقيام بنشاطات التجارة غير المشروعة وتهريب الألماس المنهوب من الكونغو الديمقراطية إلى جانب شركة "دي بيرز" البريطانية و"أميريكا مينيرالز فيلدز" الأميركية و"باير آي جي" الألمانية، وقد اتُّهمت جميعها بانتهاك مبادئ الاقتصاد العالمي.
لم تكتف الشركات الغربية بنهب ثروات الدول الأفريقية، بل مارست أنواعا شتى من الوحشية ضد السكان وصلت إلى حد القتل والاغتصاب، وهي اعتداءات وثقتها تقارير منظمات دولية.
في عام 2020، نشرت منظمة رايد البريطانية غير الحكومية تقريرا تضمن شهادات مروعة لأشخاص تعرضوا للاغتصاب وإطلاق النار من قبل حراس منجم ويليامسون للألماس في تنزانيا الذي تستغله شركة "بيترا دياموندز" البريطانية.
يروي أحد الضحايا تعرضه لانتهاك جسيم من قبل الحراس عام 2017 ويقول "أمسك بي حارسان من منجم ويليامسون أثناء قيامي بالتنقيب عن الألماس. ضرباني بهراوة، ثم أطلقا كلبهما الذي عضني في أجزاء مختلفة من جسدي. أطلقا النار عليَّ واقتلعا أحد أظافري. فقدت الوعي، وتركوني للموت".
وتقول شهادة ضحية أخرى "في عام 2018، كنت أقطع الحطب للطهي مع بعض الأصدقاء، وعندما جاء الحراس هربنا جميعا، ولكن لم أستطع الجري بسرعة لأنني كنت حاملا في الشهر الثالث، فألقوا القبض عليّ. قالوا إنني رهن الاعتقال، ووضعوني على أوراق شجر كبيرة في الأدغال وتناوبوا على اغتصابي. لم أستطع إنقاذ نفسي لأنهم كانوا أقوياء جدا".
وضعت تلك الشهادات الصادمة التي جمعها تقرير منظمة رايد ضمن عشرات الشهادات الأخرى، شركة "بيترا دياموندز" في مرمى الاتهام حين سعت منظمات إلى رصد شهادات عن انتهاكات قامت بها الشركة بشكل مباشر.
ويذكر تقرير بعنوان "محاولات بيترا دياموندز لتوضيح ماضيها المشوه في تنزانيا، التحديات في تأمين الوصول إلى العلاج واستعادة العلاقات المجتمعية بعد الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في منجم ويليامسون للألماس" إن الشركة تواجه اتهامات بقيامها بانتهاكات جسيمة منذ عام 2011، وتتضمن تلك الانتهاكات "الضرب والتعذيب والاحتجاز غير القانوني وإطلاق النار العشوائي والعنف الجنسي وقتل السكان المحليين الذين يدخلون منطقة ويليامسون دايموندز الواسعة للبحث عن الألماس أو رعي الماشية أو جمع الحطب".
لم تمرّ عواصف الاتهامات الموجهة لبيترا دياموندز بسلام، ففي عام 2020، رفع مكتب المحاماة البريطاني "لي داي" دعوى قضائية أمام المحكمة العليا في المملكة المتحدة نيابة عن الضحايا وعائلاتهم ضد الشركة بصفتها المالكة للأغلبية في شركة "ويليامسون دياموندز المحدودة".
وبالتوازي مع الدعوى، قامت الإدارة المركزية لشركة "بيترا" بإجراء تحقيقها الخاص في الادعاءات، واعترفت بوقوع خسائر في الأرواح وإصابات وإساءة معاملة للمتسللين على يد حراس الأمن الخاصين في المنجم ورجال الشرطة العاملين في منجم ويليامسون دياموندز.
الطفل رحيم ذو الثلاثة عشر عاما في أحد مناجم تانزانيا (هيومان رايتس ووتش)بالتوازي مع الاعتداءات الوحشية على السكان المحليين التي كشفتها شهادات عشرات الضحايا، تقوم الشركات الغربية باستغلال الأطفال، حيث يعمل أغلبهم بدوام كامل في المناجم التابعة لها، ويبدأ هذا الدوام من الساعة التاسعة صباحا وينتهي في الساعة السابعة مساء، طوال ستة أيام في الأسبوع، في المقابل لا تتوانى تلك الشركات عن افتخارها بتحقيق أرباح إضافية من تجارة الأحجار الكريمة، ففي عام 2019، أعلنت شركة "بترا دياموندز" أن منجم ويليامسون قد وصل إلى أعلى مستوى إنتاج منذ أكثر من أربعة عقود بمعدل وصل إلى 400 ألف قيراط.
خلال تسعينيات القرن الماضي، في أوج الصراعات الإثنية الدموية، واصلت الشركات الغربية المستغلة لمناجم الذهب والألماس وغيرهما من الأحجار الكريمة والمعادن النادرة نشاطها دون حواجز، حينها ظهر مصطلح "الألماس الدموي".
تذكر دراسة بعنوان "الألماس في الجغرافيا السياسية الإفريقية" أنجزها جان فرانسوا أورو وباحثون آخرون، أن إدانة ظاهرة "الألماس الدموي" بدأت لأول مرة في يونيو/حزيران سنة 1999 في أنغولا، حيث طلبت كندا من مجلس الأمن فرض حظر على الألماس الأنغولي بسبب استفادة الاتحاد الوطني للاستقلال التام لأنغولا المعروف باسم يونيتا من تجارة الألماس لتمويل عملياته المسلحة.
تقول الدراسة "يلعب الألماس دورا بالغ الأهمية في الاقتصاد السياسي والعسكري ليونيتا. أولا، يساهم في قدرتها على مواصلة بيع الألماس الخام نقدًا ومقايضته بالأسلحة. ثانيا، كان الألماس، ولا يزال، عنصرا مهما في إستراتيجية يونيتا لكسب الأصدقاء والحفاظ على الدعم الخارجي. استفاد كل فصيل في أنغولا من دعم خارجي كبير. وطالما اعتمدت يونيتا على دعم جنوب أفريقيا وأجهزة المخابرات الأميركية، حينها لم يكن الألماس محور الصراع".
بالفعل، لم يكن الألماس محور صراع حاد في بداية الاضطرابات في أنغولا، لكن حين سيطرت يونيتا على مناجم الألماس، قامت بتحالفات مريبة مع الغرب. في الكونغو الديمقراطية، كان الوضع مغايرا تماما، فقد دار الألماس في قلب رحى الصراع منذ اندلاعه ومثل قضية إستراتيجية للأطراف المتنازعة.
تقول دراسة "الألماس في الجغرافيا السياسية الأفريقية" إنه "بعد الاستقلال ورحيل الأوروبيين، سعت مقاطعة كاساي الغنية بالألماس، إلى ترسيخ مكانتها كدولة مستقلة.
دعمت بلجيكا هذه الانفصالات سرا، معتبرة إياها وسيلةً لمواجهة السياسات الماركسية لرئيس الوزراء آنذاك باتريس لومومبا ، لكن من الواضح أنه ما كان لهذه الطموحات الانفصالية أن تظهر في هذه الأراضي لولا مواردها الطبيعية الثمينة. بالمثل، في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كانت هناك اضطرابات عديدة بين عامي 1990 و1993، وكان جيش موبوتو ضعيف الأجر وضعيف السيطرة.
ولأنه لم يكن راغبا في منح الجيش فرصة التمرد، قرر منح الوحدات الخاصة للعسكريين الآخرين حرية التمويل الذاتي وإدارة الأعمال. كان هذا هو المنطق الانتهازي الأول، فقد ساهم الجيش نفسه في تطوير التهريب مع الدول المجاورة والاتجار بالأسلحة وتعزيز النفوذ الأجنبي".
أدى ضعف الدولة تلقائيا إلى ضعف الجيش النظامي في الكونغو الذي حلّ مكانه مقاتلون مرتزقة، ودخلت شركات بريطانية وأسترالية وجنوب أفريقية على الخط من خلال استغلال مناجم الألماس، وربطت علاقات مخفية مع المليشيات المسلحة لضمان مصالحها وتواصل نشاطها، وذكرت تقارير أممية أن تجارا وشركات من بلجيكا وبريطانيا تورطوا في التعامل مع المليشيات المسلحة في دول أفريقية من خلال شراء معادن أو أحجار كريمة.
ومن ضمن تلك الشركات شركة أفريماكس البريطانية التي اتهمت بكونها استوردت معادن من أطراف تربطهم علاقة بجماعات مسلحة، وحسب تقارير لجنة خبراء الأمم المتحدة حول استغلال الموارد في الكونغو الديمقراطية عامي 2001 و2002، تورطت شركة "بالكو دايمان" البلجيكية في اتفاق لشراء الألماس من مكتب في مدينة كيسنغاني في الكونغو التي كانت تسيطر عليها حركة "آر سي دي غوما" المدعومة من رواندا، وواجهت الشركة البلجيكية تهما بشراء ألماس من منطقة نزاع وبمساهمتها بشكل غير مباشر في تمويل الحرب.
بخلاصة، هذا ما يخفيه بريق الألماس على أعناق الأثرياء وتيجان الملوك.